الجزء الثالث — عندما يكبر الطفل الانتقائي في طعامه. ماذا تعلّمنا تجارب الإطعام في الطفولة عن الطعام والمشاعر والجيل القادم؟
Updated: Oct 8

في الخامسة من العمر: "ثلاث لقم أخرى فقط."
في التاسعة من العمر: "هل يمكن أن نشتري هذا؟ رأيته على الإنترنت."
في الرابعة عشرة من العمر: "الجميع يقول إنني بحاجة إلى مزيد من البروتين."
في التاسعة عشرة من العمر: يصل العشاء عبر تطبيق على الهاتف.
وتمضي السنوات، وقد يصبح ذلك الطفل أباً أو أماً. يد صغيرة تدفع طبق العشاء بعيداً. ومن دون تفكير، يسمع الطفل السابق نفسه يردد: "ثلاث لقم أخرى فقط." من أين جاءت هذه العبارة؟
نحن لا نورّث الوصفات فقط
تنقل العائلات الطعام بين الأجيال بصورة جميلة: أطباقاً وروائح و طقوساً وكرم ضيافة وذكريات. لكننا قد ننقل معها أيضاً قواعد غير مكتوبة عن الأكل:
أنهِ ما في طبقك.
لا تهدر الطعام.
الحلوى مكافأة.
الطفل الذي يأكل جيداً هو طفل بصحة جيدة.
هناك أطعمة "جيدة" وأخرى "سيئة."
وتشير الأبحاث إلى أن الإطعام ليس عملية باتجاه واحد يمارس فيها الوالدان التأثيرعلى الطفل فقط، فسلوك الطفل تجاه الطعام وممارسات الوالدين في إطعامه قد يؤثر كل منهما في الآخر بمرور الوقت، وإن كانت هذه العلاقات معقّدة وكثير من التأثيرات المرصودة لها محدوداً (Jansen et al., 2022). ثم إن الطفل لا يبقى إلى الأبد على مائدة الأسرة. فمع تقدّمه في العمر، يدخل الأصدقاء والاستقلالية والعالم الرقمي إلى المشهد. وتضيف وسائل التواصل الاجتماعي طبقة أخرى من التأثير، بما تحمله من تسويق للأغذية، ومؤثرين، ورسائل ومعايير متكررة حول ما نأكله وكيف ينبغي أن نأكل (Kucharczuk et al., 2022).
هل يكبر الطفل الانتقائي ليصبح بالغاً انتقائياً في طعامه؟
قد يحدث ذلك، ولكن ليس بالضرورة، اذ تشير الدراسات التي تتبّعت الأطفال على مدى سنوات إلى أن الانتقائية في الطعام قد تستمر لدى بعضهم، خاصة عندما تكون ممتدة منذ فترة طويلة، بينما تتغير أنماط الغذاء والتغذية لدى كثيرين آخرين مع النمو والتجارب الجديدة (Pereboom et al., 2023). وهنا تكمن نقطة مهمة إذ نحن لسنا بصدد التنبؤ بمستقبل طفل في الخامسة انطلاقاً من عشاء لم يأكله الليلة، فالأهم هو أن نفكّر فيما يتعلّمه الطفل حول الطعام، وليس فقط فيما يأكله.
ويعتبر هذا المنظور الذي يتابع علاقتنا بالطعام عبر مراحل الحياة أحد المحاور التي تناولتها مؤخراً في تدريباتي المهنية التي تدمج التغذية بالسلوك والتنظيم العاطفي والتأثيرات الرقمية. وهو أيضاً من الأسئلة التي حضرت في حواري الأخير مع الدكتورة آمال ضمرة في البودكاست حول انتقائية الأطفال في الطعام.
ربّما لا يكون نجاحنا في إطعام الطفل هو أن نصل إلى طفل "يأكل كل شيء." فربّما يكون النجاح في مساعدته، تدريجياً، على استكشاف أطعمة مختلفة، والانتباه إلى إشارات جسده، والتعامل بوعي مع المؤثرات من حوله، وبناء علاقة مع الطعام تستطيع أن تتطور معه كلما تغيرت حياته. لذلك، ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد هذه السلسلة: "هل أكل طفلي؟" بل: "ماذا يتعلّم طفلي عن الطعام من كل ما يحدث حوله؟" فالطبق الغذائي سيتغير.والطفل الجالس خلفه سيكبر. أما علاقته بالطعام، فستواصل التشكّل والتغيّر معه.
الأدلة العلمية ومصادر إضافية
لفهم مسار انتقائية الطعام مع التقدم في العمر: تتبّع Pereboom وزملاؤه (2023) الأطفال حتى بدايات مرحلة البلوغ لدراسة العلاقة بين انتقائية الطعام في الطفولة المبكرة والنمط الغذائي والوزن في مراحل لاحقة من الحياة. الاطلاع على دراسة المتابعة على مدى 14 عاماً
لفهم العلاقة المتبادلة بين الطفل والوالدين أثناء الإطعام: راجع Jansen وزملاؤه (2022) الدراسات الطولية التي بحثت كيف يمكن لممارسات الوالدين في الإطعام وسلوكيات الأطفال تجاه الطعام أن يؤثر كل منهما في الآخر بمرور الوقت. الاطلاع على المراجعة المنهجية والتحليل
لفهم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي مع تقدم الأطفال في العمر: استعرض Kucharczuk وزملاؤه (2022) الأدلة المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي وتسويق الأغذية والمشروبات، وكيف يمكن لهذه البيئة أن تؤثر في الخيارات الغذائية لدى المراهقين. الاطلاع على المراجعة المنهجية حول وسائل التواصل الاجتماعي والاختيارات الغذائية للمراهقين
لمشاهدة الحلقة كاملة عن "انتقائية الطعام" مع المحاورة د. آمال ضمرة




Comments